ابو القاسم عبد الكريم القشيري

141

لطائف الإشارات

استغفروا ربكم ثم توبوا إليه بعد الاستغفار ، من توهمكم أن نجاتكم باستغفاركم . بل تحقّقوا بأنكم لا تجدون نجاتكم إلا بفضل ربّكم ؛ فبفضله وبتوفيقه توصّلتم إلى استغفاركم لا باستغفاركم ، وصلتم إلى نجاتكم ، وبرحمته أهلكم إلى استغفاركم ، وإلّا لما وصلتم إلى توبتكم ولا إلى استغفاركم . والاستغفار قرع باب الرزق ، فإذا رجع العبد إلى اللّه بحسن تضرعه ، فتح عليه أبواب رحمته ، ويسّر له أسباب نعمته . ويقال ينزّل على ظواهركم أمطار النّعمة ، وعلى ضمائركم وسرائركم ينزّل أنواع المنّة ، ويزيدكم قوة على قوة ؛ قوة تحصلون بها توسعة أنواع الرزق ، وقوة تحصلون بها تحسبن أصناف الخلق . قوله جل ذكره : [ سورة هود ( 11 ) : آية 53 ] قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ( 53 ) ما زادهم هود عليه السلام بسطا في الآية وإيضاحا في المعجزة إلا زادهم اللّه تعالى عمى على عمى ، ولم يرزقهم بصيرة ولا هدى ، ولم يزيدوا في خطابهم إلا بما دلّوا على فرط جهالتهم ، وشدة ضلالتهم بعد إطنابهم وانتهابهم « 1 » ، وقالوا : [ سورة هود ( 11 ) : آية 54 ] إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 54 ) وكيف ظنّوا أنّ آلهتهم تمسّ أعداءهم بسوء وهي لا تضرّ أعداءها ولا تنفع أولياءها ؟ فهؤلاء الغواية عليهم مستولية . ثم إن هودا عليه السلام أفصح عن فضل ربّه عليه ؛ وصرّح بإخلاصه وحسن يقينه فقال : إني برئ مما تشركون ، ثم قال : [ سورة هود ( 11 ) : آية 55 ] مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ ( 55 ) .

--> ( 1 ) يقال نهب فلانا أي تناوله بلسانه وأغلظ له القول .